تعليقٌ مختصرٌ على مقال للشيخ أحمد محمود محمد حول موضوع مصالحة صوماليلاند مع اليهود
تعليقٌ وردٌّ مختصرٌعلى مقالة للشيخ: أحمد محمود محمد -حفظه الله ووفقه لكل خير- في الكلام عن مسألة مصالحة دولة صوماليلاند -حفظها الله- مع دولة اليهود.
إعداد: د. عبدالباسط بن أحمد بن عثمان الإسحاقي المدني
خريج دكتوراه قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذا تعليقٌ مختصرٌ على مقا„ل للشيخ أحمد محمود محمد -حفظه الله- حول موضوع مصالحة صوماليلاند مع اليهود، أقول فيه مستعينًا بالله:
بدأ كلامه بحديثٍ عن تاريخ اليهود وجرائمهم، وكأنه يجعل ذلك تمهيدًا
للقول بحرمة التعامل والتصالح معهم. وذكر أيضًا أن الغرب يعينهم على ذلك، وسّمى دولتي بريطانيا وأمريكا.
أوالً: لا شك في شدة عداوة اليهود للمؤمنين، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك فقال:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ} [سورة المائدة]64
وقال سبحانه: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا }
وقال جل وعلا: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [سورة المائدة]13
وهذه النصوص وما تضمنته من ذمهم وبيان صفاتهم أمرٌ لا خلاف فيه. وإنما محل النزاع هو: هل تجوز المصالحة مع منكان هذا حاله إذا اقتضتها مصلحةٌ شرعية معتبرة؟ وقد صالحهم النبي (صلى الله عليه وسلم) مع علمه بما اتصفوا به من الغدر ونقض العهود والإفساد، مما يدل على أن مجرد اتصاف الطرف الآخر بهذه الصفات لا يمنع من المصالحة إذا تحققت شروطها الشرعية وظهرت مصلحتها الراجحة.
ثانياا: هل قولك بحرمة المصالحة مع اليهود -التي تسميها تطبيعًا- ينطبق كذلك على من يعين الكيان الصهيوني على جرائمه، كبريطانيا وأمريكا، أم لا؟
وهل ينطبق هذا الحكم أيضًا على بورما (ميانمار) التي قُتل وهُجِّّر فيها مسلمو الروهنغا؟ وهل ينطبق على الصين، التي مارست صنوفًا من التضييق والتعذيب بحق المسلمين في تركستان الشرقية (الإيغور)؟
وهل ينطبق على الهند، التي يتعرض فيها المسلمون -الذين يزيد عددهم على 150 مليونً- لصو„ر من الاعتداء والتمييز، قد يكون بعضها بسبب ذبح بقرة أو نحو ذلك؟
وهل ينطبق على صربيا، التي شهدت في الماضي جرائمَ وانتهاكا „ت واسعةً ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، قُتل فيها الآلاف، وتعرَّض كثيٌر منهم للتهجير والتنكيل، ولا تزال تلك الأحداث حاضرةً في الذاكرة القريبة؟
ما رأيك في التصالح مع هذه الدول، وتبادل السفارات والعلاقات الدبلوماسية معها؟
فإن كان الجواب بالنفي، فما الفارق بينهما؟
قال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة القمر.]44
وإن كان الجواب: نعم، فلماذا خُصَّت هذه المصالحة بالإنكار الشديد، دون غيرها من الوقائع المشابهة؟ وأين إنكارك لتلك العلاقات والمصالحات، كما أنكرتَ هذه المصالحة مع دولة اليهود؟
اطلاقه لفظة “التطبيع” في معرض الإنكار، وكأن مجرد إطلاقها كا „ف للحكم على الفعل بالتحريم، مع أن هذا لفظ مجمل لم يرد في النصوص ولا في كلام أهل العلم الذين يعتد بهم نفيه ولا إثباته، وقد انتشر استخدامها في الآونة الأخيرة، وقد عُرف “التطبيع” بتعريفين، هما:
الأول: أنه مصطلح سياسي يشير إلى إعادة صياغة العلاقة بين بلدين بحيث تصبح علاقات طبيعية.
الثاني: “مصطلح يهودي يراد منه أن تُقبل )إسرائيل( في المنطقة بكيان مستقل معترف به، وأن يكون لها الحق في العيش بسلام وأمن، مع إزالة روح العداء لهم من جيرانهم، عن طريق القضاء على عقيدة الولاء والبراء وروح الجهاد، أو إضعاف تأثير ذلك عليهم.”
وهذا اللفظ، بحسب هذين التعريفين، محتملٌ للحق والباطل؛ فلا يُثبَت مطلقًا ولا يُنفَى مطلقًا حتى يُبيَّن المراد منه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : “وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال، والفتن والخبال، والقيل والقال.”
واستخدام مثل تلك الألفاظ المجملة من سمات أهل البدع، قال الإمام أحمد عن أهل البدع: “يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام ويخدَعون جهَّال الناس بما يشبِّّهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلين.”
فلفظ “التطبيع” يحتمل معنيين، أحدهما باطل، والآخر حق.
المعنى الأول:
أن يكون المقصود به: التنازل عن الثوابت الدينية كأن يحب الشخص اليهود ويواليهم على كفرهم ونحو ذلك، وهذا محرم كما هو معلوم، وقد بين العلامة ابن باز أن المصالحة مع اليهود لا يلزم منه مودتهم ولا موالاتهم.
المعنى الثاني:
أن يكون المقصود به: المصالحة مع اليهود إذا رأى ولي الأمر مصلحة في ذلك، وهذا لا شك في جوازه. وعليه، فإن مجرد وصف أم„ر ما بأنه “تطبيع” لا يكفي للحكم عليه، حتى يُبيَّن المقصود بهذا اللفظ، ويُحرَّر مح ل النزاع؛ إذ الأحكام الشرعية إنما تُبنى على المعاني والحقائق، لا على الألفاظ المجملة والشعارات المحتملة.
ثم بعد ذلك أسألك: ما حكم من صالح اليهود -عندك- في الوقت الحاضر؟ وما قولك في الفلسطينيين، كمنظمة فتح مثالا، الذين أبرموا اتفاقات صلح مع اليهود؟
وما موقفك من دولة تركيا -حفظها الله وأصلحها ووفقها لكل خير- التي أقامت علاقات مع دولة اليهود منذ سنوات طويلة؟
وما قولك في فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله) ، وغيره من أهل العلم، الذين أفتوا بجواز المصالحة مع اليهود في الوقت الحاضر؟.
وما حكم تبادل السفراء معهم؟
قال الشيخ ابن باز : “كل دولة تنظر في مصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود ف ي تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس في ذلك.”
ذكر أن بعض الناس أخطأوا وتفوهوا بكلمات محرمة مثل تسمية أبنائهم بـ”بنتنياهو” وغير ذلك من الأخطاء، وهذه نقول فيها بأنها أخطاء فردية، وقد أنكر علمائنا ومشايخنا مثل تلك الألفاظ، والطريقة الشرعية في التعامل مع مثل تلك الأخطاء أن تصحح لً أن تعمم.
وقد حصل في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) دفاع بعض الصحابة عن رأس المنافقين الذي كان من قبيلته، ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) تعامل مع الموقف بلطف ولين، وعالجه بكلام يناسب المقام. ومما وقع فيه من الجور والظلم -عفا الله عنه- أنه عمَّم ما صدر من فئة قليلة من الناس -لا يتجاوزون، بحسب تقديري، واحدًا في المائة- على عامة الناس، فزعم أن الناس “شيوخاا وشباابا، رجاالً ونساءا” رفعوا أعلام الكيان الصهيوني وشعاراته، وهذا -والله-كذب وبهتان مبين؛ إذ لم يكن الذين صدرت منهم تلك الأفعال إلا نفرًا يسيًرا من سكان هذا البلد -حفظه الله-، وأذكرك هنا بقول الله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ. [سورة الزمر.]7
وإخراجهم من بلاد المسلمين، أو الصلح بينهم وبين دولة فلسطين صلحا ينفع المسلمين، ويحصل به للفلسطينيين إقامة دولتهم وقرارهم في بلادهم، وسلامتهم من الأذى والظلم، فيجب على الدول الإسلامية، أن تقوم بهذا الأمر حسب الطاقة والإمكان. وأما بقاؤهم في حرب مع اليهود، وفي أذى عظيم وضرر كبير على رجالهم ونسائهم وأطفالهم، فهذا لً يسوغ شرعا.
وقد قام علماؤن بواجب النصح والتوجيه، وحذروا من المخالفات التي وقعت في تلك الأيام. وقد كنت في هرجيسا حينئذ، فما رأيت أحدًا يرفع تلك الأعلام إلا في يوم واحد، ولم يكن ذلك المشهد مما عمَّ الناس أو شاع بينهم كما صوَّرته وسائل الإعلام. ثم يقال له: هَلْ كان شعب هذه البلاد الطيبة أول من رفع أعلام دولة كافرة؟
وهل كانوا وحدهم الذين أظهروا الفرح بمثل هذه الأمور؟ فماذا تقول عن رفع علم إثيوبيا في أكثر من مناسبة؟
وماذا تقول عن رفع علم الأرجنتين عندما فازت بكأس العالم؟
وماذا تقول عن حال بعض شباب المسلمين الذين يلبسون قمصان الرياضيين التي تحمل شعارات دول أو أندية كافرة، كمن يلبس قميص «ميسي» أو «رونالدو» أو غيرهما؟
وماذا تقول عن احتفال كثير من الشباب بفوز نادي أرسنال بالدوري الإنجليزي، ورفع بعضهم شعاراته وأعلامه، وإظهار الفرح بذلك في المجالس ووسائل التواصل؟
وأين إنكارك لتلك المنكرات التي تقع ليالا ونهاراا في سائر أنحاء العالم الإسلامي؟
فإن كنت ترى أن مثل هذه التصرفات منكر يجب إنكاره، فلماذا خصصت أهل هذه البلاد بالإنكار والتشهير، مع أن ما وقع منهم لم يصدر إلا من فئة قليلة، بينما تقع نظائر ذلك، بل ما هو أشد منه، في بلدان كثيرة، من غير أن يُرى منك مثل هذا التعميم أو ذلك التشنيع؟!
فالعاقل المنصف يفرِّّق بين خطأ بعض الأفراد وبين الحكم على أمة بأسرها، ولا يحمل العامة تبعة ما اقترفته فئة قليلة، فإن العدل يقتضي وضع الأمور في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق حقه، بعيدًا عن التهويل والتعميم المجانب للإنصاف.
تسميته ولي أمر هذه البلاد -صوماليلاند- بـ”زعيم الانفصاليين..” وهذا جهل منه أو تجاهل بمسألة استتاب الأمر لولي الأمر، وأن من استتب له الأمر حتى صار الأمر والنهي له: فيجب السمع والطاعة له، وقد استتب الأمر لهذه الدولة قبل أكثر من ثلاثين عاما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
“والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة: لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق .”
ذكر سخرية وزير الخارجية الإسرائيلي من الفلسطينيين أثناء وجوده في هرجيسا، وجعل ذلك من جملة ما يُستنكر في هذا الباب.
فنقول له -على فرض صحة ما ذكره:- ماذا قلتَ أنت وأمثالك من الحركيين في حق هذا البلد وأهله؟ فقد صدر من كث „ير من الصوماليين المتأثرين بهذا الفكر تكفيٌر لمجتمع صوماليلاند وسكانه، والطعن في دينهم واستقامتهم.
فهل تكفير المسلمين والحكم عليهم بالخروج من الإسلام أهون عندك من السخرية من الفلسطينيين؟! أم أن الإنكار يشتد في موضع ويضعف في موضع آخر بحسب الأشخاص والجهات؟
ثم إن التغاضي عن بعض الأخطاء والزلات قد تقتضيه مصالح شرعية معتبرة؛ فقد رفق النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي قال: «السام عليكم»، واكتفى بالرد عليه بقوله: «وعليكم»، ولم يزد على ذلك، مع ما في كلامه من سوء الأدب والدعاء بالموت.
ذكر كلامًا سيئًا عن الرئيس الراحل محمد حاج إبراهيم عجال، وذكر أنه كتب وثيقة إلى اليهود، وأنه صف نفسه بـ«الخادم المطيع» لليهود.
أقول أولا: هل تأكدت من صحة هذه الوثيقة؟ وهل وصلتك بطريق صحيح سليم من الطعون؟
وأذكرك هنا بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [سورة الحجرات.]6:
أقول ذلك؛ لأن كثيًرا من العلماء والمشايخ أفادوا بأن هذه الوثيقة مزورة، كما أكد ذلك كثير من المقربين الذين عملوا مع الرئيس عجال . ثم على فرض صحة هذه الوثيقة: كان الأولى به أن حيسُن الظن بالمسلم، وألا يحمل كلامه على أسوأ المحامل؛ فإن المسلم قد يقع منه الخطأ في كلمة أو فعل، ويكون مراده التقدير أو إظهار الاحترام، لا المعنى الذي يتبادر إلى بعض الأذهان. وقد وقع ما يشبه ذلك من معاذ بن جبل ⧫ حين سجد للنبي . (صلى الله عليه وسلم)
كما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ستعمل في مخاطبة الملوك والرؤساء عبارا „ت تدل على التقدير والاحترام، فكان يصف بعضهم بعظيم الروم وعظيم القبط ونحو ذلك، مع ما كانوا عليه من الكفر، مراعاةً للمصالح الشرعية، وتأليفًا للقلوب، ودعوةً لهم إلى الإسلام.
ثم إن بعض الكلمات قد تصدر من المسلم في حال الفرح الشديد أو الغضب الشديد، أو في سياقا „ت خاصة لا يُفهم مراد المتكلم منها إلا بالنظر إلى ملابساتها.
والذي ينبغي في مثل هذه الأحوال إعذار المسلم، والتثبت في الحكم عليه، وإحسان الظن به ما أمكن. كما اتهم الرئيس عجال بأمور أخرى وقعت -بحسب دعواه- في القرن الماضي، وجعلها من جملة المطاعن عليه. وهذا من تتبع زلات المسلمين وعثراتهم، والاشتغال بما لا يترتب عليه نفعٌ في الحاضر.
ثم إن هذه الأمور -إن ثبتت- فقد يكون صاحبها معذورًا بتأويل أو جهل أو خوف أو إكراه، أو قد يكون قد رأى مصلحةً شرعيةً راجحةً حملته على ما فعل، وإن أخطأ في اجتهاده.
كما أن الرئيس عجال ليس أول من وقع منه شيء من ذلك؛ فقد وقع ما هو أعظم من هذا من كث „ير من ولاة أمور المسلمين عبر التاريخ، في المشرق والمغرب، ومن ذلك ما جرى في بعض مراحل تاريخ الأندلس وغيرها، ومع ذلك لم يكن أهل العلم يجعلون مجرد هذه الوقائع سببًا لإسقاط جميع الحسنات أو إهدار ما تحقق من المصالح والمنافع للمسلمين.
كما أنه لم يكن صاحب القرار النهائي في ذلك الوقت فقد كان رئيسا للوزراء، وكان رئيس الجمهورية الصومالية عبدالرشيد علي شرماركي موجودا.. فلماذا لً يتم توجيه التًهام إليه؟
وأقول أيضا: ماذا تقول عن اتفاقية السلام التي أبرمها الرئيس الصومالي محمد سياد بري مع الرئيس الإثيوبي منغستو هايله مريم عام 1988م، والتي تضمنت عمليًّا التخلي عن المطالبة ب إقليم أوغادين ووقف دعم حركات تحريره؟ فلماذا لً يحوجَّه إليه التًهام كما يحوجَّه إلى غيره عند إبرام اتفاقيات أو مصالحات مشابهة؟ أم أن الأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والجهات؟
ذكر أن بعض الناس أدخلوا «الشمعدان اليهودي» إلى بلاد المسلمين، وهذا
لا شك في كونه خطأً، والواجب مناصحة من وقع في ذلك من غير تشهير ولا تعييب. وهنا أقول: أن كثيًرا من الناس لا يعرفون هذا “الشمعدان”، ولم يسمعوا به من قبل، ولا يعرفون أنه من شعار الكفار من اليهود أو غيرهم، وأن شخصيًّا لا أعرفه ولم أسمع به من قبل، ولم أره فيكتب العقيدة والأديان التي اطلعت عليها، وليس هو مثل صليب النصارى في شهرته، وبناء عليه: كان الأولى به أن ينبه الناس إلى خطورته، ويعذرهم بجهلهم؛ فكثير منهم لا يعرفون أنه من شعار الكفار.
وأقول أيضًا: أن هؤلاء ليسوا أول من أُدخلت في عهده أو زمنه بعض الشعارات والرموز المنسوبة إلى الكفار في بلاد المسلمين. فقد وُجدت مثل هذه الأمور في غير بل „د إسلامي، ومن ذلك ما وقع في تركيا وغيرها من البلدان، دون أن نرى منك أو من أمثالك القدر نفسه من الإنكار والتشنيع. كما أن رموزًا وشعارا „ت نصرانية ظهرت في غير بل „د من بلاد المسلمين، وتُركت أو أُقرت أو سُمح بوجودها لأسبا „ب مختلفة، فلماذا لم تحوجَّه إليها سهام النقد بالقدر نفسه؟ ولماذا يحشتد الإنكار في موضع، ويخف أو يغيب في موضعٍ آخر؟
والمقصود من ذلك ليس الدفاع عن هذه الرموز أو الدعوة إلى إقرارها، وإنما بيان ضرورة العدل والاتساق في الأحكام والمواقف، وأن يكون الميزان واحدًا في الإنكار والاعتراض، بعيدًا عن الانتقائية والكيل بمكيالين.
ثم أيضا: أين الرفق واللين الذي أمر الله به في مثل هذه المواقف وفي مواقف أشد منها، كما في قول الله تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام:- {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } [سورة طه]44:، وهذا في حق فرعون الذي قال الله عنه: {ﱡفَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} [سورة النازعات.]24:
والواجب أن يكون النصح في السر، فعن عياض بن غنم عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: مَن أراد أن ينصح السلطانَ بأمرٍ فلا يُبدِ له علانيةً، ولكن لِيأخذْ بيدِه فيخلو به، فإن قَبِل منه فذاك، وإلَكَّان قد أدَّى الذي عليه له.
قال ابن رجب : “والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتُهم على الحق، وطاعتُهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك.” “وإذا خلا النُّصحُ من الرِّفق واللِّين وكان علانيةً فإنَّه يضرُّ ولَ ينفعُ، ومِن المعلوم أنَّ أيَّ إنسانٍ إذا كان عنده نقصٌ يحبُّ أن يُنصح برفقٍ وليٍن، وأن يكون ذلك سرًّا، فعليه أن يعامل النَّاسَ بمثل ما يحبُّ أن يعاملوه به.”
ادعى أن صوماليلاند هي أول دول„ة مسلمة تفتح سفارةً لها في القدس، وجعل ذلك من جملة المطاعن التي يُشنِّّع بها. وهذا الادعاء لا يخلو من جه „ل بالواقع أو تجاه „ل له؛ إذ سبق أن افتتحت كوسوفا -وهي دولة مسلمة في أوروبا الشرقية- سفارةً لها في القدس يوم الأحد، 1 شعبان 1442 هـ، الموافق: 14 مارس 2021م.
وتجاهل هذه الواقعة يثير تساؤالً حول مدى اتساق المعايير التي يعتمدها في نقده؛ إذ لو كان المقصود إنكار هذا الفعل من حيث هو فعلٌ منكر في نظره، لكان الأولى أن يُنكر على جميع من وقع فيه دون استثناء، وألا يخصَّ جهةً بعينها بالنقد ويغضَّ الطرف عن غيرها.
ومن هنا يظهر أن الإشكال ليس في الفعل نفسه بقدر ما هو في الجهة التي صدر عنها؛ وإلا فما وجه تأخر الإنكار سنوا „ت طويلةً عن وقائع مماثلة سبقت هذه الواقعة، ثم إثارته اليوم وكأنه أمرٌ لم يُعرف له نظير؟
فالعدل يقتضي أن يكون الحكم واحدًا في الصور المتماثلة، وأن يُنكر المنكر حيثما وُجد، لا أن تختلف المواقف باختلاف الأشخاص والبلدان.
جعل المانع من افتتاح السفارة في القدس أن في ذلك إعلاانا صارخاا عن اعتراف بيت المقدس عاصمة للكيان الصهيوني. فأقول له: ماذا تعني بكلمة “العًتراف”؟ وهل هي من المصطلحات الشرعية أم اللغوية أم العرفية؟
وما حكم من اعترف بهذه المدينة المباركة عاصمة لليهود؟ هل يكفر بذلك أم هو واقع في كبيرة من كبائر الذنوب؟ وما الدليل على ذلك؟
أقول هذا؛ لأن مصطلح «العًتراف» ليس من الألفاظ الشرعية التي وردت في
الكتاب والسنة أو جرى استعمالها في كلام الفقهاء المتقدمين، وإنما هو مصطلح سياسي وقانوني حادث لم يظهر إلً في القرن السادس عشر تقريبا.
ومثل هذه الألفاظ العرفية لا يصح أن تُجعل مناطًا للأحكام الشرعية بمجرد إطلاقها، بل يجب أولًا تحرير معناها، والنظر في المراد بها عند أهل الاصطلاح.
والاعتراف المتداول في هذا العصر نوعان:
الأول: الاعتراف القانوني، ويُقصد به الاعتراف الذي تنظمه المؤسسات والهيئات الدولية، كالأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية. وهذا أمرٌ تنظيميٌّ وسياسيٌّ معاصر، ولا يُعرف عن علماء المسلمين أنهم جعلوه في ذاته مناطًا شرعيًّا تترتب عليه أحكام الحل والحرمة.
والثاني: الاعتراف السياسي أو الواقعي، ويُقصد به الإقرار بوجود كيان أو دولة قائمة في الواقع، والتعامل معها على هذا الأساس. وهذا المعنى لا يلزم منه الرضا بجميع أفعال تلك الدولة، ولا الموافقة على جميع سياساتها، وإنما هو وصفٌ لواق موجود.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الدول والكيانت الكافرة الموجودة في عصره، فيكاتب ملوكها، ويرسل إليهم الرسل، ويخاطبهم بالألقاب التي يعرفون بها، كقوله: «عظيم الروم»، و«عظيم القبط»، ونحو ذلك، مع بقاء الحكم على كفرهم وعدم صحة ما هم عليه من دين.
وهذا النوع من الاعتراف لا يغيِّّر الحقائق الشرعية، ولا يقلب الباطل حقًّا أو الحق باطلًا، وإنما هو إقرارٌ بواق والتعامل معه بحسب ما تقتضيه المصالح الشرعية. وعليه، فإن العًتراف بدولة اليهود -أو بغيرها من الدول الكافرة-، أو العًتراف بكون بيت المقدس عاصمةا لهم، إنما هو إقرارٌ بواقعٍ قائمٍ ومشاهد، لًإنشاءٌ لذلك الواقع ولًإضفاءٌ للشرعية عليه؛ إذ إن العًتراف بالشيء لًيستلزم الرضا به ولًالحكم بمشروعيته.
واليهود يسيطرون على القدس منذ عقود طويلة، وهذه حقيقةٌ واقعةٌ لا تتغير بإنكارها أو الإقرار بها، وإنما يبقى النظر الشرعي في كيفية التعامل مع هذا الواقع، وما يترتب على ذلك من مصالح ومفاسد. ثم أقول أيضا: ما الفارق عندك من فتح السفارة في القدس أو في تلأبيب؟ أليست تلأبيب مدينة محتلة أيضا؟
فإن قلت أن مدينة بيت المقدس مدينة مباركة، فأقول لا شك في ذلك فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، ومن ذلك قول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[سورة الإسراء: .]1
ومما ينبغي الإشارة إليه في مثل هذا الموضع: أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود -حفظه الله- قال بأنه يعترف بدولة إسرائيل، ولا ينكر وجودها، وقال بأنهم لا يكنون لها العداء، وإنما يختلف معها في أمور أخرى بعضها عقدية وبعضها دينية وأخرى إنسانية، وأن هذا ليس الوقت المناسب لإقامة العلاقات معهم
قال السعدي :(رحمة الله عليه) ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها؛ لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} ورسوله محمد { مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الذي هو أجل المساجد على الإطلاق، { إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } الذي هو من المساجد الفاضلة، وهو محل الأنبياء (عليهم السلام)
وقال رسول الله :(صلى الله عليه وسلم) لًا تشد الرحال إلًا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.
قال النووي (رحمه الله) أجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى، والصلاة فيه، وعلى فضله.”
ولكن هذا لا يمنع من وقوعها تحت سيطرة الكفار، فقد كانت في أيديهم وقت
نزول هذه الآية، وفي عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى فُتحت في عهد عمر (رضي الله عنه) ، ثم وقعت في أيدي الإفرنج حتى فتحها صلاح الدين (رحمه الله)
فما الفارق الشرعي من فتح السفارة هنا أو هناك؟
.اتهم المشايخ والعلماء بأنهم قرروا هذا الباطل أو سكتوا عنه، فأقول له: إن من أعظم الظلم والبغي: إطلاق اللسان في علماء الإسلام، والطعن فيهم بغير حق، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبهم يحفظ الله دينه، وينصر سنته، ويذب عن شريعته. وقد قرن الله شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، فقال تعالى:
{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة آل عمران]18
وقال سبحانه:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر.]28:
وقد أخبر النبي ﷺ أن «العلماء ورثة الأنبياء»، وإذا كان الشرع قد أمر بصيانة أعراض عامة المسلمين، فقال ﷺ: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»، فكيف بأعراض العلماء الذين يحملون ميراث النبوة، وينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين؟
وقد كان الذب عن أهل العلم وهديهم من شأن السلف الصالح، فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه لما انتقص رجل كعب بن مالك رضي الله عنه قال: «بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلًا خيرا.» فأنكر عليه تنقصه لأخيه المسلم، وأثنى عليه بما يعلم من حاله. ولهذا شدد السلف في الطعن في أئمة السنة، فقال يحيى بن معين رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يتكلم في حماد بن سلمة وعكرمة مولى ابن عباس فاتهمه على الإسلام.» فكانوا يعدون الوقيعة في أئمة السنة أمارة على فساد المنهج وانحراف المسلك.
ومع هذا كله، فإن العلماء ليسوا بمعصومين، بل يخطئون ويصيبون، وما من إمام إلا وله زلات وأوهام، غير أن الخطأ يرد بالدليل والعدل والإنصاف، لا بالكذب والبهتان والسخرية والتنقص والتشهير. وقد قال الذهبي رحمه الله: «ولو أن كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قمنا عليه وبدعناه وهجرنه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما.»
فالواجب على المسلم أن يتقي الله في لسانه، وأن يعرف لأهل العلم قدرهم، وأن يرد خطأهم بعلم وعدل، لا بهوى وظلم، فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، والطعن فيهم بغير حق من أعظم أسباب صد الناس عن العلم وأهله، وإفساد ثقتهم بحملة الشريعة.
نسأل الله أن يحفظ علماء المسلمين، وأن يرزقنا الإنصاف والعدل، وأن يجعلنا من المتبعين للحق، المعظمين لأهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أقول أيضا: هذه ليست طريقة أهل العلم في مناقشة القضايا العلمية والخلافية؛ فإن الأصل في البحث العلمي أن تُناقش الأقوال بأدلتها، وتُرد الحجج بالحجج، لا أن يُكتفى باتهام المخالف أو التشنيع عليه.
وهؤلاء العلماء الذين خالفتهم في هذه المسألة قد يكونون أعلم منك وأفقه، وقدبنوا أقوالهم على أدل„ة واجتهادا „ت يرونها معتبرة. وكان الأولى بك أن تناقش تلك الأدلة مناقشةً علميةً هادئة، فيبيّن ما يراه من وجوه الخطأ فيها، بدلًا من توجيه الاتهامات إلى أصحابها.
فالعبرة في المسائل العلمية بقوة الدليل وصحة الاستدلال، لا بمجرد إطلاق الأوصاف والاتهامات؛ إذ قد يخطئ العالم وقد يصيب، لكن خطأه يُبيَّن بالحجة والبرهان، لا بالطعن في نيته أو الانتقاص من قدره.
ولهذا كان من هدي أهل العلم والإنصاف أن يحفظوا للعلماء مكانتهم، وإن خالفوهم، وأن يجمعوا بين احترام الأشخاص ونقد الأقوال، فلا يحملهم الخلاف على التجريح، ولا يمنعهم التوقير من بيان ما يرونه حقًّا.
تكلم عن المصالح المعتبرة والمصالح الملغاة، وذكر في ذلك كلامًا صحيحًا من حيث الأصل، إلا أنه غفل عن مسألة مهمة تتعلق بهذا الباب. وهي أن تقدير المصالح العامة والمفاسد المتعلقة بشؤون الدولة من اختصاص ولي الأمر، وذلك بعد التشاور مع أهل العلم والخبرة والنظر في العواقب والمآلات. كما أن من القواعد المقررة عند أهل العلم أن اجتهاد الحاكم في المسائل الاجتهادية يرفع الخلاف، وتُبنى عليه الأحكام والإجراءات المتعلقة بالمصلحة العامة.
وعليه، فإن مجرد اعتقادك أن المصالحة مع اليهود لا مصلحة فيها لا يكفي لإبطال هذا الاجتهاد أو إسقاط اعتباره؛ لأن ولي الأمر قد يرى من المصالح ما لم تره، وقد يطّلع على المعطيات والظروف ما لا يطّلع عليه غيره.
ثم إن عددًا من العلماء وأهل الرأي قد يوافقونه في هذا التقدير، ويرون أن في ذلك مصلحةً راجحةً أو مفسدةً أقل من غيرها، فكيف حيجعل رأيك هو المعيار الذي حتوزن به جميع الجًتهادات، وحتردّ لأجله آراء غيرك؟
وإذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد والنظر في المصالح والمفاسد، فإن الواجب هو مناقشة الأدلة ووجوه الترجيح، لا الجزم بأن رأيًا معينًا هو الحق الذي لا يحتمل غيره، مع وجود الخلاف المعتبر بين أهل العلم.
فما الدليل على أن تقديرك للمصلحة هو الصواب، وأن تقدير غيرك خطأ محض؟ وما الذي يمنع أن يكون الأمر على العكس من ذلك، أو أن تكون المسألة من المواضع التي يسوغ فيها الاجتهاد والاختلاف؟
ادعى أن المانع من المصالحة مع اليهود هو كونهم أعداء معتدين وغاصبين، ونسي أو تناسى أن اليهود ليسوا الوحيدين الذي اغتصبوا أراضي المسلمين، فنسي أو تناسى إخوانه الروهنغا (في بورما-ميانمار)، وإخوانه الإيغور (تركستان الشرقية) في الصين، والأندلس (إسبانيا والبرتغال)، فلماذا لم تحرم العلاقة والمصالحة مع هؤلءً؟ وكذلك كينيا التي قلت بأنهم أخذوا أراضي المسلمين.. لماذا لم تحرم العلاقة معهم؟ وكذلك إثيوبيا التي أخذت من المسلمين عمومًا والصوماليين خصوصًا أراضي كثيرة جدًّا… ما رأيك في العلاقة معهم؟ علمًا بأن غير واحد من رؤساء الصومال زارها وأرسل لها السفراء.. والعلاقات ما زالت قائمة معها.. ولا ننسى زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي لمقديشو.. فما قولك في مثل تلك المصالحات والعلاقات؟
سبحان الله! زعم بأن صلح النبي (صلى الله عليه وسلم) مع كفار قريش بالحديبية خاص ولا يجوز القياس عليه.. وهذا من أعاجيبه. فنقول له: من سبق إلى هذا من اهل العلم؟
وماذا تقول عن إيراد العلماء حديث صلح الحديبية في أبواب الصلح، فقد أورده أبو داود رحمه الله تحت عنوان: باب في صلح العدو، وأورده أبو عوانة -رحمه الله- تحت عنوان: “بيان مُصالحةِّ النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية، والدّليل على الإباحة للإمام صرف أصحابه عن العدو، وإجابتهم إلى ما ليس لهم في الصلح، إذا ظن أنَّ ذلك أَصلحَ للمسلمين.”
وماذا تقول عن استدلال العلماء بهذا الحديث عند حديثهم عن جواز الصلح مع الكفار، كقول ابن قدامة : (رحمه الله) “ومعنى الهدنة، أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز،
بدليل قول الله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ } [سورة التوبة:]1، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنفال: ]61،
وروى مروان، ومسور بن مخرمة (رضي الله عنهما) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صالح سهيل بن عمرو بالحديبية، على وضع القتال عشر سنين.
وقال ابن القيم :(رحمه الله) ” ولم يقتض عقدُ الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده وإن كانوا من المسلمين أنه لًا يجب على الإمام ردُّهم عنهم، ولًا منعهم من ذلك، ولً ضمان ما أتلفوه عليهم.
وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالِح الإسلام وأهله وأمورِ السياسات الشرعية من سِيَره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال؛ فهذا لون، وتلك لون، وبالله تعالى التوفيق.”
فرق بين الكفار الذي لهم أرض وديار وبين من اغتصب الأراضي وأخذها عن المسلمين.. فما الدليل على هذا التفريق؟
وعلى القول بالتفريق: لماذا لم تنكر مصالحة دولة الصومال مع بورما التي أخذت أراضي المسلمين الروهنغا، ومصالحة دول مسلمة كثيرة مع الصين التي أخذت أراضي المسلمين في تركستان الشرقية، وغيرها من الدول المعتدية؟
ادعاءه بأن الصلح مع اليهود فيه تمليك للأرض لهم، وقد أجاب عن هذا العلامة ابن باز (رحمه الله) فقال: “الصلح بين ولي أمر المسلمين في فلسطين وبين اليهود لًيقتضي تمليك اليهود لما تحت أيديهم تمليكا أبديا، وإنما يقتضي ذلك تمليكهم تمليكا مؤقتا حتى تنتهي الهدنة المؤقتة، أو يقوى المسلمون على إبعادهم عن ديار المسلمين بالقوة في الهدنة المطلقة. وهكذا يجب قتالهم عند القدرة حتى يدخلوا في دين الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.”
ادعى بأن هذا الصلح يتضمن مؤازرة اليهود والوقوف إلى جانبهم، وهذا زعم باطل، فالاتفاقيات الإبراهيمية لا يشترط أن تتضمن هذا،كما أن المصالحة مع اليهود لا تقتضي ذلك، كما ببن ذلك العلامة ابن باز رحمه الله فقال: “ومما يدل على أن الصلح مع الكفار من اليهود وغيرهم إذا دعت إليه المصلحة أو الضرورة لًا يلزم منه مودة، ولً محبة، ولًا موالةً: أنه (صلى الله عليه وسلم) لما فتح خيبر صالح اليهود فيها على أن يقوموا على النخيل والزروع التي للمسلمين بالنصف لهم والنصف الثاني للمسلمين، ولم يزالوا في خيبر على هذا العقد، ولم يحدد مدة معينة، بل قال صلى الله عليه وسلم: (نقركم على ذلك ما شئنا)، وفي لفظ: (نقركم ما أقركم الله)، فلم يزالوا بها حتى أجلاهم
يوجد في “الاتفاقيات الإبراهيمية” مخالفات غير هذا، وهي تختلف من دولة إلى أخرى، ويمكن للدولة الموقعة إخراج الشروط التي تراها مخالفة لدينها، كما فعلت دولة المغرب العربي، فقد تخلصت من كثير من المخالفات الموجودة في تلك الاتفاقية، وبقيت عليها مخالفتان، وهما: تسمية الأديان الثلاثة بالتوحيدية، ومسألة التقريب بين الشعوب (انظر: موقع وزارة الخارجية الأمريكية.)
أما الاتفاقية التي وقعت عليها دول أخرى فقد وُجد فيها في الجملة خمس مخالفات وهي:
المخالفة الأولى: الدعوة إلى حرية الأديان -وهذه المخالفة موجودة أيضًا في ميثاق الأمم المتحدة والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب-،
المخالفة الثانية: إلغاء عقيدة الولاء والبراء،
المخالفة الثالثة: عقد هُدنة دائمة مع الكفار -السلام الدائم-،
المخالفة الرابعة: تسميتها بالإبراهيمية ففيه تلبيس وتدليس، ونسبة الباطل إلى نبي الله إبراهيم عليه الصلاة السلام،
المخالفة الخامسة: الدعوة إلى الأغاني والموسيقى تحت مسمى الفنون. انظر: الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية (https://www.state.gov/the-abraham-accords)، ونص اتفاقية كل دولة موجودة أسفل الصفحة بصيغة .(pdf) شبَّه المصالحة مع اليهود بواقعة تسليم بيت المقدس للنصارى، وجعل الواقعتين في منزل„ة واحدة من حيث الحكم والآثار. وهذا القياس غير مستقيم؛ لأنه قياسٌ مع الفارق؛ فالمتصالح مع اليهود اليوم لم يُسلِّّم لهم بيت المقدس، ولم يُمكِّّنهم من الاستيلاء عليه؛ لأن السيطرة عليه سابقةٌ لهذه المصالحة بمد„ة طويلة. ومن ثم فإن تشبيه المصالحة الحالية بواقعة تسليم بيت المقدس للنصارى ليس تشبيهًا مطابقًا للواقع، لاختلاف السبب والظرف والنتيجة في كلتا الحالتين.
وقد سبق أن بينَّا أن اليهود يسيطرون على القدس منذ عقو„د المصالحة لم تُنشئ هذا الواقع، وإنما جاءت بعد وجوده واستقراره. وفي الختام أقول:
إن الرجوع إلى الحق من أجلِّّ الفضائل، وأعظم المناقب، وهو علامة التواضع والإخلاص، ودليل على حياة القلب وتعظيم صاحبه لله تعالى، وليس في الرجوع إلى الحق مذلة أو نقص، بل هو رفعة وشرف، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : «الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.»
وقد أمر الله تعالى عباده بالتوبة والإنبة، فقال سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [سورة النور.]31:
وقال النبي : (صلى الله عليه وسلم) «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.»
وقد كان سلف الأمة أحرص الناس على الرجوع إلى الحق، فعن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا، فقال علي :«أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتُ وَفَـوْقَ كُلِّّ ذِّي عِّلْم عَلِّيم»
فالرجوع إلى الحق منقبة عظيمة، وعلامة على صدق العبد وإخلاصه، نسأل الله إنه ولي ذلك ويرزقنا اجتنابه، ويرينا الباطل باطلا أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيًرا. إنه ولي ذلك والقادر عليه هذا، وبالله التوفيق






















You must be logged in to post a comment.